أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
139
التوحيد
وبعد ، فقد كثر عنهم الآيات من أنواع ما لا يحتمل ذلك بالاطلاع على جوهر الأرض إلا أن يطلعه من علم جواهرها ، وفي ذلك الذي ذكر . على أنه ما من نبيّ صحت نبوته إلا وقد شهد قومه منه من إعلام الصدق ما يجب قبول قوله لولا الآيات . ثم يقال : أنت ممن تقبل خبرا في الدنيا ؟ فإن قال : نعم ، كلّف دليلا على صدقه أوضح من أدلة الرسل ، وفي ذلك وجوب القول بالذي ذكرت ، وإن قال : لا ، يشهد عليه العقل وكل شيء جعله حجة بالكذب . وعارضه ابن الراوندي « 1 » : إن أحدا لو ادّعى طبيعة يحدّث بها الكواكب ، أو لو نصبه مقابل الشمس يذهب ضوؤها ، أو إنه إذا مسّ البحر لفظ البحر جميع ما فيه ، وإذا مسح به قدمه لصار في الهواء وارتفع إلى السماء ويصير سحابا يمطر ، فإذ لزم تكذيب بما ادّعى الخروج عن طبائع معروفة فمثله الأول ، مع ما كان المكذّب ليس معه شيء ، ومع الآخر شيء بالظنون يردّ وبالاحتمال ، وما به قد يمكن عيب ، والحجة ظاهرة ، فلزم القول به . واحتج على الورّاق بما أجمع على موت البشر كلهم وإن لم يشهدوا الكل بالرسل ، فقال : فيه الإجماع . قال أبو منصور رحمه اللّه : وقد علم أنه لم يشهد ، بل لم يبلغ علمه شيء ، والثاني أنه علق دليله في ذلك بالمحنة ، وقد زال ، والثالث إذ لا يبلغ التدبير ثبت أنه قيل بالرسل . وقال في قول الفلسفة : إن تركيب الحيوان تركيب يموت . تأملوا حماقته ، بعد قول قوم لو أدركوه لأدركوه بالرسل ، ثم ينكر قول الرسل مع البرهان . والثاني أنه لم يمتحن عقول جميع الفلاسفة ، ولا هم امتحنوا طبائع الجميع . والثالث أنه لو كان بالتركيب لما اختلف قدر الحياة . وقال بالطباع إن النفس لا تطمع في دفعه ولا ترجو الظفر به ، فجوابه إنه لم يمتحن طبائع الكل ، والثاني أنها سكنت إلى هذا بالتوارث من قول الرسل ، والثالث كذلك آيات الرسل لم يطمع إلا بعسر إتيان مثلها ، وهي بحيث تحتمل الطمع ، مع ما كانت فيها ما لا يطمع مع التقريع والتحذير ، وفيها ما لا يحتمل الطمع البتة نحو انشقاق القمر . ثم يقال له : تعتقد شيئا البتة ؟ فإن قال : لا ، أقر أنه لم يعتقد تكذيب من ذكر ، ولا أنه هو ، ولا هو حيّ أو ميت ، فتكلّفه الأجوبة والمعارضات خطأ ، وإن قال : نعم ، قيل : لعلك تعتقده بما لم يبلغ قوة دركك وعلمك بالأشياء مبلغ الإحالة ؛ إذ قد
--> ( 1 ) ويقال الريوندي قال الذهبي عنه في سير أعلام النبلاء [ 14 / 59 - 60 ] : « الملحد عدو الدين أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الريوندي صاحب التصانيف في الحط على الملة ، وكان يلازم الرافضة والملاحدة » . وقال عنه ابن النجار : أبو الحسين ابن الراوندي المتكلم من أهل مروالروذ سكن بغداد وكان معتزليا ثم تزندق وقيل كان أبوه يهوديا . [ سير أعلام النبلاء 14 / 59 - 60 ] .